عبد الله بن أحمد النسفي

356

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 18 إلى 20 ] لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ( 20 ) 18 - واللام في لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا أي أجابوا متعلقة بيضرب ، أي كذلك يضرب اللّه الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وهي صفة لمصدر استجابوا ، أي استجابوا الاستجابة الحسنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ أي وللكافرين الذين لم يستجيبوا ، أي هما مثلا الفريقين ، وقوله لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب اللّه ، والوجه أنّ الكلام قد تمّ على الأمثال ، وما بعده كلام مستأنف ، والحسنى مبتدأ خبره للذين استجابوا ، والمعنى لهم المثوبة الحسنى ، وهي الجنة ، والذين لم يستجيبوا مبتدأ خبره لو مع ما في حيزه أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ المناقشة فيه ، في الحديث : ( من نوقش الحساب عذّب ) « 1 » وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ومرجعهم بعد المحاسبة النار وَبِئْسَ الْمِهادُ المكان الممهد والمذموم ، محذوف أي جهنم . 19 - دخلت همزة الإنكار على الفاء في أَ فَمَنْ يَعْلَمُ لإنكار أن تقع شبهة ما بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر ، فيستجيب ، وهو المراد بقوله كَمَنْ هُوَ أَعْمى كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي الذين عملوا على قضايا عقولهم فنظروا واستبصروا . 20 - الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ مبتدأ والخبر أولئك لهم عقبى الدار ، كقوله : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ . . . أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وقيل هو صفة لأولي الألباب ، والأول أوجه ، وعهد اللّه ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى « 2 » وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ما وثّقوه « 3 » على أنفسهم

--> ( 1 ) كنز العمال 14 / 38976 ، أحمد من حديث عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) الأعراف ، 7 / 172 . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) أوثقوه .